سياسة

تصريحات بنعبد الله: تهديد صادق بالانسحاب من الحكومة أم مجرد مناورة سياسية؟

منذ الزلزال السياسي الذي هز حزب “التقدم والاشتراكية” بعد إعفاء وزاء من صفوفه على خلفية التحقيق المنجز حول التعثر في إنجاز مشروع “الحسيمة.. جوهرة المتوسط”، لم يشهد الحقل السياسي خروجا إعلاميا لأمينه العام نبيل بنعبد الله أقوى من الخروج الإعلامي الأخير له، والذي أطلق فيه نيران انتقاداته على كل مكونات الأغلبية بدء بالعدالة والتنمية ووصولا إلى حزب الاتحاد الاشتراكي.

ولوح بنعبد الله هذه المرة بشكل أكثر حدة من ذي قبل بالانسحاب من حكومة سعد الدين العثماني، بشكل يعطي الانطباع أن حزب علي يعتة جاد في تهديده ولا يلوح فقط بهذه الورقة طمعا في الحصول على موقع أفضل في الحكومة.

والدليل على ذلك، أنه لم تمر على تصريحات بنعبد الله سوى بضعة أيام حتى خرج بلاغ للجنة المركزية لحزب “الكتاب” جاء فيه أن التقدم والاشتراكية سيستمر في “مساعيه الجادة” “للإسهام في تجاوز حالة التخبط والعبث السياسِيَيْن، وذلك سواءٌ من خلال موقعه الحكومي الحالي، أو من أي موقع آخر يُمْكِنُ أن يُحَدِّدَهُ بناء على مدى فعالية وتقدم الحكومة في إنجاز مشاريع الإصلاح الأساسية”.

مواقف الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكية” تأتي في سياق توترت فيها علاقته مع حزب “العدالة والتنمية” والتي يمكن أن نقيسها بعدد من المؤشرات. فخلال الولاية الحكومية السابقة والتي ترأسها عبد الإله بن كيران، كان لحزب “الكتاب” موقع متميز داخل الحكومة وكان حليفا مركزيا لحزب “البيجيدي”، بل إنه الحزب الوحيد الذي وقف إلى جانب بن كيران لحظة ما عرف بالبلوكاج الحكومي.

ورغم وزنه الانتخابي الضعيف داخل الأغلبية الحكومية السابقة إلا أنه كان يحظى بوضع تفضيلي داخل الحكومة سواء فيما يتعلق بعدد الوزراء أو بمساهمته في القرارات ذات الطبيعة الاستراتيجية، نظرا للعلاقة الخاصة التي جمعت قائد الحزب نبيل بنعبد الله بالأمين العام السابق لحزب “المصباح” عبد الإله بن كيران.

أما بخصوص المؤشرات التي تبين أن حزب “الكتاب” لم يعد له نفس الوزن السابق داخل الحكومة، فيمكن أن نشير إلى قرار عزل اثنين من وزرائه على خلفية تعثر مشروع “الحسيمة: جوهرة المتوسط”، وهما محمد نبيل بنعبد الله نفسه، باعتباره وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والحسين الوردي، باعتباره وزير الصحة السابق، إذ يعتبر قادة الحزب أنه لم يلق الدعم اللازم من طرف حليفه الرئيسي حزب “العدالة والتنمية”، خلال هذه الأزمة. وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه البعض انسحاب “التقدم والاشتراكية” من الحكومة قررت لجنته المركزية الاستمرار في التحالف الحكومي.

المؤشر الثاني والدال جدا على توتر العلاقة بين الحليفين السابقين، وهو قرار إعفاء الوزيرة شرفات أفيلال المنتمية لحزب التقدم والاشتراكية من منصبها ككاتبة دولة لدى وزارة التجهيز والنقل والماء واللوجستيك المكلفة بالماء، وهو القرار الذي يقول رفاق بنعبد الله إنه كان بإيعاز من طرف عبد القادر عمارة القيادي في حزب “المصباح” والوزير الوصي على القطاع وبدعم سياسي من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وهو الأمر الذي كان محط انزعاج بالغ من طرف قادة “التقدم والاشتراكية” واعتبروه إهانة لهم.

المؤشر الثالث يتمثل في عدم موافقة “البيجيدي” على ترؤس التقدم والاشتراكية للجنة المالية بمجلس النواب، فبعدما قررت المجموعة النيابية لرفاق بنعبد الله في الغرفة الأولى ترشيح النائب رشيد الحموني، اختار حزب “المصباح” الدفع بنائب من فريقه البرلماني والذي تمكن من الفوز بهذا المنصب.

رد فعل المكتب السياسي لحزب “الكتاب” لم يتأخر كثيرا إذ عبر في بيان عن أسفه الشديد على هذا “السلوك المنافي لأخلاقيات العمل السياسي النبيل القائمة على احترام الالتزامات والاتفاقات القبلية، والمنافي لروح الدستور والقانون الداخلي لمجلس النواب فيما يخص حماية وتعزيز وتكريس التعددية”.

ما هو مؤكد من هذه المؤشرات وغيرها من التصريحات المتفرقة هنا وهناك، تشير إلى أن التحالف بين الحزبين لم يعد كما كان في سابق عهده، ولعل أبرز تعبير عن هذا الوضع هو ما جاء على لسان العثماني نفسه بقوله في لقاء حزبي داخلي: “نعم لدينا خلافات ولن نخبئها لكن الاختلاف لا يفسد للود قضية”.

إن السؤال الذي يطرح هو هل حزب “الكتاب” جاد في تلويحه بالانسحاب من الحكومة أم الأمر مجرد ضغط على “البيجيدي” لكي يعيد التحالف معه إلى سابق عهده؟ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي في البداية قراءة خريطة تحالفات رفاق علي يعتة الحالية والمستقبلية إن هم قرروا مغادرة مقاعد الحكومة، فالحزب الشيوعي سابقا ليس له مكان في التحالف الرباعي الحالي الذي يقوده حزب “التجمع الوطني للأحرار” (الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي)، وهذا الأمر كان واضحا بشكل كبير في تصريحات بنعبد الله الأخيرة.

وعلى مستوى أحزاب المعارضة من الصعب تصور تحالف مستقبلي للتقدم والاشتراكية مع حزب “الأصالة والمعاصرة” على اعتبار أن بنعبد الله كان من أشد معارضيه في السابق، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن “البام” صوت لصالح مرشح التقدم والاشتراكية في عملية انتخاب رئيس لجنة المالية، وهي خطوة يمكن اعتبارها إشارة نحو تطبيع العلاقة بين الحزبين. ونظريا تبقى “فيدرالية اليسار الديمقراطي” حليفا مثاليا لحزب “الكتاب” لكن بسبب تباعد المواقع من جهة وضعف هذا التيار انتخابيا فإنها تبقى حليفا سياسيا مستبعدا لرفاق بنعبد الله.

إن تلويح التقدم والاشتراكية بالانسحاب من الحكومة، مؤشر على أنه فقد حلفاءه الاستراتيجيين وأساسا حزب “العدالة والتنمية”، وبالنظر إلى المعطيات التي بسطناها بشأن خريطة تحالفاته الممكنة، فإن خروجه للمعارضة سيكون له كلفة سياسية أكبر من بقائه في التحالف الحكومي، لأنه سيبقى معزولا سياسيا، اللهم إذا نسج تحالفا تكتيكيا أو استراتيجيا مع حزب “الأصالة والمعاصرة” على قاعدة دفتر تحملات جديد.

هذا من ناحية مستقبل حزب “الكتاب” في حال قرر التوجه نحو المعارضة وفك ارتباطه بالبيجيدي من جهة وبالحكومة من جهة ثانية، أما فيما يتعلق بدرجة صدقية مواقف وتصريحات أمينه العام فيمكن قراءتها انطلاقا من مستويين.

المستوى الأول وهو أن حزب “العدالة والتنمية” منذ قبل شروط عزيز أخنوش لتشكيل الائتلاف الحكومي يمكن القول إنه استكفى عن تحالفه مع حزب علي يعتة والذي كان يشكل بالنسبة له دعما سياسيا، ما خلف انزعاجا كبيرا لدى “التقدم والاشتراكية” يمكن القول إن الحزب عبر عليه في بياناته الرسمية وفي تصريحات أمينه العام في الإعلام.

أمـا المستوى الثاني، فهو تخوف حزب “الكتاب” من الاستغناء عليه خلال تعديل حكومي قادم أو تحجيم موقعه في الحكومة، لهذا فإنه يعمل على تصعيد المواقف أملا في الإبقاء على وضعه الحالين لاسيما وأن مجموعة من الأحداث أظهرت أنه يمكن عدم الإبقاء على التقدم والاشتراكية كحليف دائم لحزب “البيجيدي”

24ALA24 – قراءة فی الموقع الأصلي

شارك هدا المقال: